بسم الله الرحمن الرحيم

 

معيار السعادة

 

مهما طالت أعمارنا فـ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...).ا

ولأن الأمر وقت لقاء الله سبحانه سيكون عظيما وشديدا، وللكثيرين من المسلمين سيكون الفارق بين الخلود في النعيم والخلود في الجحيم - والعياذ بالله-، فلنتأمل قوله تعالى: (... فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، فلنتخيل المشهد وكأنه أمام ناظرينا؛ زحزحة أقل من خطوة واحدة بعيدا عن النار يكون الفوز المبين ! وهذه الخطوة لا يساويها ثقل الأكوان ذهبا، ولا يغني عنها سلطان وحكم الكون كله بزينتها، فالأمر جد خطير.ا

 

إذا فما هي المعايير التي تقاس بها السعادة في الحياة حتى يرزقنا الله سبحانه بخطوات وأميال بعيدا عن جهنم ولا تتعارض سعادتنا مع رضا الله تعالى لننجو من عقابه ونطمع أن يدخلنا في رحمته؟ا

 

لاختلاف طبائعنا ونفوسنا لا نستطيع أن نعمم على البشرية معايير واحدة من صنع البشر للسعادة، فبعض الذي يسعدني قد لا يسعد أولادي، ونحن في بيت واحد، فما بالك باختلاف الطباع والأجناس والتربية للبشرية جمعاء!ا

ولكن عندما نتتبع طرق السعادة التي جعلها الله متعددة وثابتة بالأصول التي جاءت في مقاصد تشريع الحلال والحرام؛ سنجد السعادة الحقة التي تداوي آلام المرض وجراحات الحياة، فيما قدر الله سبحانه لنا: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).ا

 

فهل تتعارض المعايير التي وضعها البشر للسعادة؟ وهل تختلف النتيجة؟ا

 

نعم وبكل تأكيد تتعارض بعض المعايير التي وضعها البشر مع المعايير التي وضعها الله الحكيم الخبير العليم، فالله سبحانه يرشدنا لننال السعادة وننجو من الهلاك، ولا يريد شيئا منّا، بل وعدنا وعده الحق بالجنة والرحمة، والنفس تخذل من يتبعها، ولكي نهرب ولا نكون مع أو ممن قال سبحانه فيهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا*الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، يجب علينا أن نقارن بعض مما جاء في القرآن الكريم، بين وعد الله الحق، ووعد النفس الزائف الباطل:ا

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).ا

 أهل الإيمان والعمل الصالح وعدهم الإله الحق بالاستخلاف في الأرض وتمكين إقامة شعائره سبحانه، وسيلبسهم ثوب الأمن وينزع عنهم ثوب الخوف والشرك، ولنتابع بعض أدلة معايير الله تعالى للعيش الأمان في الدنيا والآخرة.ا

 

 قال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).ا

وهذه بعض معايير لمن يتبع نفسه وهواه:ا

كما جاء في القرآن الكريم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ* وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).ا

:(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).ا


ومن هو العدل العليم الخبير الذي لا يختلف عليه اثنان؛ الذي وضع هذه المعايير؟ا

 

ما النتيجة عندما استبدل الملح بالسكر وأنا أطبخ الطعام؟ أو أستبدل الملح بالسكر في كوب الشاي؟ مع تقارب اللون والوزن، والنتيجة فشل ذريع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).ا

عندما نشتري جهازا جديدا، فإننا لا نتحاذق ونحن نقلب إرشادات تشغيله -الكتالوج-؛ بل نتتبع كل ما جاء فيها بدقة حتى لا يخرب الجهاز ونفقد ثمنه، ولكننا في حياة الدنيا التي يُبنى عليها موضع أقدامنا للخلود، ومن قبله لقاء الله القوي الجبار؛ فالغالبية منّا نجدهم يفتي في الدين ويحدد مسار حياته وسعادته بما تمليه عليه النفس التي قال الله تعالى عنها: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)!.ا

عندما نحجر على قلوبنا أن تحيا الحياة التي أرادها الله سبحانه لنا لننجو من غضبه وننال رحمته؛ بتتبع بعض الأفكار الخاطئة ونركن للنفس وتحليل العقل الذي أغمض عينيه عن حقيقة أن لقاء الله قادم، فلا نعجب من ضحالة معايير النفس الظالمة لمقاييس السعادة، ولنترحم على بناء الأسر المستقرة السعيدة، والأمة القوية العادلة، والنجاة في الآخرة من جهنم! أعاذنا الله وإياكم منها، اللهم آمين.ا

ودعونا أن نتامل ونتدبر هذه الآيات الكريمة لنعلم قدرة العدل الخبير العليم، الذي يحيط بنا علما ولا يخفى عليه من أمرنا شيئا، ولا يظلم أحدا، سبحانه القوي البصير، وإن شاء الله تعالى الجمعة المقبلة نلتقي مع بعض حصيلة التدبر.ا 

سهير علي