درجات الشكر ودركات نسيانه

 

قد يملك رقابنا بعض أهل الخير لما يقدمونه، وكثيرا ما يُغض الطرف عن أي سوء فعلوه دون قصد منهم أو بقصد، فدائما عدم القصد يكون المقدم، ومع ذلك نتذكر برهم وننسى أخطائهم، ولا ننس أخطاؤنا، هذا بين البشر الأسوياء، ويختصر كل هذا في ثلاث كلمات: (الوفاء لأهل البر).ا

الوفاء هذا السلوك العاطفي النبيل الذي يحفظ للمعاملات رونقها الجميل ويمحو وجه الجحود القميء، لتتسع رقعة الطيبات والخير بحسن الظن وحسن الخلق في الكون، وتقل رقعة السوء والجحود والشر.ا

وماذا عن وفاؤنا لله تعالى؟

قال ابن القيم -رحمه الله- عن الشكر: ((وكذلك حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده؛ ثناء واعترافا، وعلى قلبه؛ شهودا ومحبة، وعلى جوارحه؛ انقيادا وطاعة.ا

 والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور)). اهـ.

ما أتعس وأشقى نفوسنا وهي تجحد الله وفضله سبحانه عن عمد وغير عمد، والأخير أكثر، بسبب اعتياد النعم، وقلة التدبر في القرآن الكريم، وفي آيات الكون، لنتعرف على عطايا الله تعالى لنا الذي صدق حين قال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، ولو نظرنا لأكثر الناس شكرا لله وعرفانا له سبحانه على نعمه؛ فإنه لن يوفي الله تعالى حقه في الشكر على أبسط النعم، لذا كان الله غفورا رحيما بهؤلاء الناس، فما بالنا بمن قصر في شكره ونسي أن يتذكر فضله، وغفل عن الإذعان لله بما أنعم به علينا، عز شأنه ولا إله لنا غيره، أيضا سنجده بهم غفورا رحيما!ا

ولكن ماذا يُحدث التقصير والغفلة والرعونة في الإقرار بآلاء الله تعالى علينا؟

نجد أن هذا ظلم بيّن للقلب والروح من النفس القليلة الشكر لله تعالى على نعمه لنا، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)، فننسى لقلة الشكر.. فيذكرنا الله تعالى أن نذكر نعمه علينا!: (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولإن البعض منّا يبخل في شكر المنعم، واعتياد النسيان يصل بالبعض إلى الشك في نِعَم المعطي جل شأنه (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى)، ويولد الشك صدود في النفس للإقرار لصاحب النعم بحقه في الشكر فتعرض (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ثم ما تلبث النفس أن تعمى فلا ترى مصدر النعمة، فتُبدل توجه النظر لغير ذي الحق بالشكر (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا  فتحمل النفس إثم التبديل فتنكر فضله سبحانه (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا)، فيتكون جنينا في أحشاء الجحود (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)، فتلد كيانا مشوها: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي...) وهو الظلم البيّن بإنتساب نعم الله لها، فتكون الطامة الكبرى –حفظنا الله وإياكم والمسلمين أجمعين منها- (...  * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ.....* تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). اللهم اجعلنا منهم ومعهم اللهم آمين.ا

وبالنظر والمقارنة بين هاتين الآيتين:ا

(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).ا

(.. كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).ا

بالربط بين الآيتين -والله أعلم- فإذا إنعدم الشكر الذي آتى بعد رزق الله في الآية الأولى (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) يأتى ما حذر الله سبحانه منه في الآية الثانية (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) إذا عدم الشكر يكون بابا لتتبع خطوات الشيطان، واختصارا: في البداية قد يكون قلة في الشكر ثم نسيان ثم تبديل ثم إنكار ثم إنساب فضل الله ونعمه للنفس الظالمة.ا

من عرف حق بعض الناس وشكرهم، وغفل عن شكر الله تعالى إما إنه نائما أو غافلا أو أعمى، فيجب تنبيه النفس دائما بأن تنسب الفضل لأهله، وتعطي كل ذي حق حقه؛ (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).ا

وأخيرا: (... رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).ا

 اللهمَّ إنا نعوذُ برضاك من سخطِك وبعفوِك من عقوبتِك، وبِك مِنك، لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنَيت على نفسِك.ا

 

سهير علي